Block title
Block content

حقوق النساء بين السياسات والواقع: الرضاعة الطبيعية الحصرية

Block title
Block content

يحتفي العالم يوم 8 مارس بيوم المرأة وهو فرصة للتأكيد على أن مساهمة النساء لا تقتصر على العمل المدفوع الأجر إنما تقوم النساء كذلك بأدوار الرعاية والعمل المنزلي والتي على الرغم من مركزيتها في بناء المجتمعات لا تزال غائبة عن أجندات المشرعين وصانعي السياسات عدا عن غياب تقدير هذه المساهمة في الإحصاءات الرسمية للدول. خلق نقص التشريعات، الرقابة على تطبيقها، ومواءمتها لواقع النساء فجوة ما بين السياسات والواقع وبالأخص في علاقة بموضوع الرضاعة الطبيعية الحصرية.  

التزمت عديد الدول بزيادة نسبة الرضاعة الطبيعية الحصرية1 لأهميتها2، إلا أن هذه النسبة في تونس منخفضة ولا تتجاوز 17.8% حسب بيانات عام2023 3. هذه النسبة من أقل النسب عالمياً وأقل بكثير من المستوى العالمي البالغ 48%، وبعيدة عن الهدف العالمي المتمثل بالوصول إلى نسبة 50% في عام 42025يطرح هذا التدني في نسبة الرضاعة الطبيعية تساؤلات حول أهمية الرضاعة الطبيعية الحصرية، المعيقات التي تحول دون زيادة النسبة ونتطرق فيما يلي إلى ببيئة العمل والحماية الاجتماعية وجوانب النقص فيها. 

 

علاقة الرضاعة الطبيعية بأهداف التنمية المستدامة  

 الرضاعة الطبيعية ليست عملية تغذية فقط إنما لها أثار صحية ونفسية وحتى بيئية واقتصادية. ترتبط الرضاعة الطبيعية بتحقيق عدة أهداف من أهداف التنمية المستدامة 20305، فالرضاعة الطبيعية بمثابة شبكة أمان ضد تبعات الفقر كالجوع أو عدم حصول المواليد على تغذية كافية وصحية فهي خيار اقتصادي مقارنة بالحليب المصنع بحسب اليونيسف6 

 كما يمكن أن تساهم الرضاعة الطبيعية في تقليل معدل وفيات الرضع (0-5 أشهر)، فقرابة 600 ألف طفل يموتون سنوياً نتيجة عدم حصولهم على ما يكفي من الرضاعة الطبيعية7، وتساهم في تحقيق الهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة حيث تساهم الرضاعة الطبيعية في ضمان صحة جيدة للأطفال. كما أنها تساهم في ضمان درجات أعلى من الذكاء لهم مما يساهم في تحسين نسب التعلم لاحقا ومحو الأمية8فقد اثبت أن استثمار الدول في دعم الرضاعة الطبيعية له عوائد اقتصادية تعادل 35لكل 1يتم استثماره، عدا عن زيادة الانتاجية بما يقارب 0.49% من الناتج المحلي الاجمالي9 

الرضاعة الطبيعية أيضاَ، خيار مستدام من ناحية الأثر البيئي حيث تقلل الحاجة للماء والوقود والطاقة اللازمة لإنتاج الحليب المصنع، وغيرها من الأثار التي تساهم في تعزيز التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة10 

 

قوانين العمل لا تخدم هدف تشجيع الرضاعة الطبيعية 

توصي منظمة العمل الدولية بإجازة أمومة لا تقل عن 18 أسبوع، إضافة إلى إلزامية وجود بيئة عمل داعمة للأم المرضعة ومنها السماح بساعات مغادرة 11. نص القانون عدد44 لسنة 202412 المتعلق بتنظيم عطل الأمومة والأبوة في الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص على زيادة فترة اجازة الأمومة إلى 3.5 شهر تتضمن الحق في 15 يوماً خلال الشهر الأخير قبل الولادة، وهو تقدم ملحوظ بعد أن كانت اجازة الامومة لا تتجاوز 30 يوماً إلا أنه يبقى غير كافي فالمدة الممنوحة لإجازة الأمومة أقل بكثير من الحد الأدنى الموصى به من منظمة العمل الدولية. 

 تتمتع الام بإجازة الأمومة منذ الولادة وتستحق خلالها كامل الراتب للنساء العاملات في القطاع العام، وتحصل النساء في القطاع الخاص خلالها على منحة بعنوان عطلة الولادة فقط13.  كذلك يمنح القانون النساء الحق في استراحة لمدة ساعتين للرضاعة خلال اليوم حتى يكمل الرضيع عامه الأول والتي تعد غير كافية حيث أن الطفل من المفترض أن يعتمد كلياً على الرضاعة الطبيعية خلال الشهور الستة الأولى من عمره وتعطى له في أوقات متفرقة خلال اليوم، ويزيد الأمر صعوبة  بعدم تجهيز أماكن العمل بغرف أو مرافق خاصة للرضاعة توفر الخصوصية للأمهات لإرضاع أطفالهن أو تجميع الحليب بطرق صحية وحفظه بحالة جيدة لإعطائه للرضيع لاحقاً14 ، عدا عن عدم توفر حضانات عامة أو حضانات في أماكن العمل لتسهل وصول الام إلى طفلها خلال الوقت المحدود الممنوح لها.   

 

قصور منظومة الحماية الاجتماعية وأثرها على الحق في الرضاعة الطبيعية 

يتيح القانون إجازة أمومة، إلا أن نسبة النساء المنتفعات بتغطية اجتماعية للحصول على إجازة أمومة في حالة الولادة في تونس لا تتجاوز 22.1% حسب بيانات منظمة العمل الدولية لعام 152024. تعد هذه النسبة منخفضة وأقل من المستوى العالمي البالغ 36.4%16. علاوة على ذلك وبحسب دراسة صادرة عن وزارة المرأة والأسرة والطفولة فإن 61% من النساء العاملات في المناطق الريفية يعملن في الزراعة وصيد الأسماك،17 تتميز هذه الفئة من النساء بانخفاض الدخل وعدم انتظامه يحد من حصولهن على الحماية الاجتماعية، كما أنها تعيش الفجوات في الوصول إلى المعلومات والقدرة على تحمل التكاليف (التكاليف المباشرة وغير المباشرة لدفع الاشتراكات وتكاليف النقل بسبب بعد المسافة عن الإدارة في الغالبوالتي تعوق تغطية الضمان الاجتماعي للنساء الريفيات. مما يطرح تساؤلات كبيرة حول النسب المرتفعة من النساء، اللواتي لا يتمتعن بإجازات الأمومة وساعات الرضاعة التي من المفترض أن يتمتعن بها، وتبعات ذلك على قدرتهن على إرضاع أطفالهن. 

يتطلب تحقيق هدف رفع نسبة الرضع الذين يحصلون على رضاعة طبيعية حصرية سياسات عامة مستجيبة لاحتياجات النوع الاجتماعي وعلى رأسها سياسات العمل. لا بد من الاستمرار في زيادة فترة إجازة الامومة بما يتلاءم مع توصيات منظمة العمل الدولية. كذلك النسبة المنخفضة من النساء المنضويات ضمن منظومة الحماية الاجتماعية بشكل عام وبالأخص العاملات الفلاحيات ومن يعملن في ظروف مشابهة من ناحية الهشاشة، الموسمية، والدخل المنخفض تعد انتهاك واضح لحقوق النساء وتقلص من نسبة الرضع الذين يحصلون على رضاعة طبيعية حصرية. كذلك لا بد من توفير أماكن رعاية نهارية حكومية بأسعار ميسرة متاحة للجميع للاستفادة منها وتهيئة أماكن العمل بمرافق تراعي حاجات الأم المرضعة وتوفر لها الخصوصية لتحقيق هدف رفع نسبة الرضع الذين يحصلون على رضاعة طبيعية حصرية بما يتلائم مع التزامات الدولة التونسية اتجاه السعي نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.  

 

ECONEWS