Block title
Block content

مسار إعداد مخطط التنمية: أي نجاعة في الاستجابة للأولويات المحلية؟

Block title
Block content

تناول اللقاء الذي عقد في قصر قرطاج يوم 10 مارس 2026 وجمع رئيس الجمهورية قيس سعيّد ورئيسة الحكومة ووزير الاقتصاد والتخطيط، المشروع الأولي لمخطط التنمية (2026-2030). يمثل هذا المخطط وثيقة أساسية لتحديد مسار السياسات الاقتصادية في تونس خلال الخمس سنوات القادمة وقد انطلق مسار اعداده منذ منتصف السنة الفارطة على الصعيد القطاعي بالوزارات المعنية وعلى صعيد المجالس المحلية والجهوية تحت شعار اعتماد المنهج التصاعدي في التخطيطرغم ما يرفعه هذا المسار من شعارات، فإن عددا من التساؤلات تطرح حول مدى واقعية اختياراته، وقدرته على الانسجام مع الإمكانيات الفعلية للدولة، إضافة إلى الإشكاليات المرتبطة بمنهجية إعداده وتمويله. 

 

حدود دور المجالس المحلية والجهوية 

اعتمد مخطط التنمية 2026–2030  مقاربة تصاعدية تنطلق من المستوى المحلي ثم الجهوي فالإقليمي2نظمت المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم ما مجموعه 3483 استشارة محلية وجهوية3 بهدف تحديد أولويات التنمية انطلاقا من حاجيات المعتمديات والجهات. رغم السعي إلى إشراك المواطنين والهياكل المحلية في تحديد التوجهات التنموية، إلا أن عددا من الإشكاليات تظل قائمة. ترتبط هذه الإشكاليات أساساً بطبيعة تركيبة وتنظيم المجالس المحلية والجهوية. فالمجالس المحلية، رغم دورها في مسار إعداد المخطط، لا تمارس فعليا سلطة محلية مباشرة بسبب محدودية استقلاليتها المالية وعدم وضوح مهامها بشكل كاف4، فضلا عن نقص الخبرة الفنية في مجالات التخطيط والتنمية. 

كما أن عضوية المجالس الجهوية تتم بالتناوب بين أعضاء المجالس المحلية عبر قرعة تُنظم كل ثلاثة أشهر. هذه الفترة الزمنية القصيرة لا تسمح لأعضاء المجلس الجهوي بتشخيص حاجيات الجهة بشكل معمق أو إعداد رؤية تنموية متكاملة ومتناسقة. 

يضاف إلى ذلك أن منهجية إعداد المخطط منحت فترة شهرين فقط للمجالس المحلية لإعداد المخططات المحلية5، وهي مدة غير كافية بالنظر إلى ما يتطلبه هذا العمل من تشخيص ترابي، وتحليل للمعطيات الاقتصادية والاجتماعية، واقتراح أولويات تنموية واقعية بالإضافة الي القيام بالاستشارات اللازمة وتشريك المجتمع المدني المحلي والمواطنين. 

 

التخطيط التصاعدي: طموح توسيع المشاركة وحدود التطبيق 

  تعود بعض الاشكاليات إلى ضعف قدرة الهياكل المعنية على تشخيص الأولويات بشكل دقيق واقتراح المشاريع الواقعية والقابلة للتنفيذ، ففي العديد من الحالات تم اقتراح قوائم مشاريع غير قابلة للتطبيق6إن عدم نجاعة المقترحات الصادرة عن هذه الهياكل، يبقي المجال الأوسع للسلطة التنفيذية المركزية لتحديد التوجهات النهائية للمخطط على الصعيدين الجهوي والوطنيمما يجعل المشاركة أقرب إلى مرحلة استشارية منها إلى آلية تقريرية. 

 

التمويل الخارجي: رهان في سياق دولي معقد 

تشير المعطيات الأولية إلى أن حجم الاستثمارات المتوقعة ضمن مخطط التنمية 2026–2030 سيبلغ حوالي 120 مليار دينار، على أن يتم تمويل ما يقارب 50% من هذا المبلغ عبر آليات تمويل دولية7كان من المنتظر تنظيم قمة خلال شهر مارس تجمع ما يُعرف بـ"أصدقاء تونس بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، والبنك الإفريقي للتنمية، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إضافة إلى البنك الدولي وعدد من دول الخليج، بهدف عرض المشاريع المقترحة على المانحين.8 

غير أن هذا التوجه يطرح تحديا أساسيا، إذ عرفت تونس خلال السنوات الأخيرة صعوبات كبيرة في تعبئة التمويلات الخارجية، خاصة في ظل تعثر المفاوضات مع بعض الشركاء الماليين الدوليين وارتفاع كلفة الاقتراض في ظل عدم السعي لإيجاد بدائل تمويلية جديدة بعيدة عن الممولين التقليدين. دفع هذا الوضع الدولة إلى الاعتماد بشكل متزايد على التمويل الداخلي لتغطية عجز الميزانية9، مما يزيد من الضغط على المنظومة المالية الوطنية، كما يمثل نقص التمويل تهديدا لنجاح المخطط في تحقيق أهدافه التنموية. 

 

إشكال الانسجام مع قانون المالية 2026 

أحد أبرز التساؤلات التي يثيرها مسار إعداد المخطط يتعلق بمدى انسجامه مع قانون المالية لسنة 102026. فقد تم إعداد هذا القانون والمصادقة عليه على أساس توجهات كبرى تفترض تناغمه مع مخطط التنمية للفترة 2026–2030، في حين أن هذا المخطط لم يصدر بعد بشكل رسمي11. 

من الناحية المنهجية، يطرح هذا الترتيب إشكالا، باعتبار أن قانون المالية يمثل أداة برمجة سنوية يفترض أن تندرج ضمن إطار استراتيجي أوسع يحدده مخطط التنمية. وبالتالي يبدو من غير المنطقي اعتماد قانون مالية قبل المصادقة على المخطط الذي يشكل مرجعيته الأساسية. 

جعل هذا التمشي توجهات التنمية والخيارات الإستراتيجية للسنة الأولى من المخطط بيد الوظيفة التنفيذية وحدها دون استراتيجيات موجهة وواضحة. 

 

أي نموذج تنموي للفترة القادمة؟ 

في ظل هاته المعوقات التي شابت مسار إعداد مخطط التنمية، يُطرح السؤال حول مدى انسجامه مع القدرات الفعلية للدولة ومدى قدرته على تحقيق تنمية جهوية عادلة وتوازن بين منطق المصلحة الوطنية ومتطلبات العدالة المجالية، لا فقط مجرد إعادة ترتيب للأولويات. 

 

1 الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية التونسية، استقبل رئيس... - Présidence Tunisie رئاسة الجمهورية التونسية | Facebook 

2 قانون أساسي عدد 4 لسنة 2025 مؤرخ في 12 مارس 2025 يتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم 

 3 مجلس وزاري بتاريخ 9 جويلية 2025، بقصر الحكومة بالقصبة، خصّص لمتابعة تقدّم إعداد مخطط التنمية 2026 – 2030متابعة إعداد مخطط التنمية 2026 – 2030 محور مجلس وزاري | Portail de la Présidence du Gouvernement – Tunisie 

4 المرصد التونسي للاقتصاد، (14 مارس 2024)، اللامركزية في تونس : هل إنو المجالس الجديدة نموذج لحل مشاكل التنمية و لا هي مجرد هياكل صورية؟ اللامركزية في تونس : هل إنو المجالس الجديدة نموذج لحل مشاكل التنمية و لا هي مجرد هياكل صورية؟ | المرصد التونسي للاقتصاد 

5 رئاسة الحكومة، منشور عدد 10 لسنة 2025، حول اعداد مخطط التنمية 2026-2030

6 Tunisie Telegraph من بينها مطار وقطب جامعي للهندسة الفضائية و الذكاء الإصطناعي:المجلس المحلي بالمحمدية يصادق على جملة من المشاريع كلفتها تصل إلى 1،450 مليار دينار 

7 Tunisie NumériqueLes « Amis de la Tunisie » mobilisés pour financer le plan 2026-2030, (03 mars 2026), Les « Amis de la Tunisie » mobilisés pour financer le plan 2026-2030 - Tunisie numerique 

8Ibid 

9 المرصد التونسي للاقتصاد، أية القاهري، (نوفمبر 2025)، قانون المالية 2025: بين تحديات العدالة الجبائية، ضغط الدين العمومي والدور الاجتماعي للدولةقانون المالية 2025: بين تحديات العدالة الجبائية، ضغط الدين العمومي والدور الاجتماعي للدولة | المرصد التونسي للاقتصاد 

10 موزاييك فم، " اقتصاد تونس: بين سيناريو مخطط التنمية 2026-2030 وأولويات قانون المالية"، (موزاييك فم فم: 15 ديسمبر 2025اقتصاد تونس: بين سيناريو مخطط التنمية 2026-2030 وأولويات قانون المالية | Mosaique FM  (تاريخ الوصول 25 مارس 2026).  

11 في إطار الإعداد لقانون المالية لسنة 2026، أشرفت رئيسة الحكومة السيدة سارة الزعفراني الزنزري صباح اليوم الأربعاء 11 جوان 2025، بقصر الحكومة بالقصبة، على مجلس وزاري خصص للنظر في الملامح الكبرى لقانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2026مجلس وزاري | Portail de la Présidence du Gouvernement – Tunisie