Block title
Block content

قانون المالية والشفافية في تونس: أي التزام فعلي بنشر المعلومات العمومية؟

Block title
Block content

 

أظهرت نتائج مسح الموازنة المفتوحة لسنة 2025 الصادر عن منظمة شراكة الموازنة الدولية IBP أن تونس سجلت تراجعاُ حاداُ في مستوى شفافية الميزانية12، حيث حصلت على 11 نقطة فقط من أصل 100 في مؤشر شفافية الميزانية، مقابل 16 نقطة سنة 2023 و42 نقطة سنة 2015، كما بيّنت النتائج أن تونس جاءت خلف عدد من الدول العربية، من بينها الأردن التي سجلت 62 نقطة والمغرب التي حصلت على 51 نقطة13. ويضع هذا التصنيف تونس ضمن الدول الأقل شفافية عالمياً في مجال نشر المعلومات المالية والميزانية، في سياق اقتصادي ومالي دقيق يتسم بتفاقم الضغوط الاجتماعية وارتفاع المديونية العمومية. 

يتزامن صدور هذه النتائج مع انطلاق مناقشة مقترح تنقيح القانون الأساسي للميزانية داخل لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب14، الذي يهدف أساساً إلى ملاءمة الإطار القانوني للميزانية مع النظام التشريعي ثنائي الغرف وضمان مشاركة المؤسستين البرلمانيتين في مختلف مراحل إعداد الميزانية. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم يتمثل في مدى احترام الدولة لالتزاماتها القانونية بغض النظر عن الأطر المنظمة لها، مثل الشفافية في نشر التقارير، بما ينعكس على جودة النقاش العمومي حول الخيارات الاقتصادية والمالية. 

من الناحية القانونية، يكرّس الفصل الثامن من القانون الأساسي للميزانية لسنة 201915 على خضوع التقديرات والبيانات المتعلقة بقانون المالية إلى مبادئ المصداقية والشفافية. وتعني الشفافية توفير المعلومات المتعلقة بميزانية الدولة، ونشر التقارير الخاصة بتنفيذها والأداء المالي والاقتصادي في الآجال وبصيغ تمكّن العموم من النفاذ إليها.  غير أن هذا المبدأ العام لا يحدد، بالدرجة نفسها من الدقة، قائمة جميع الوثائق الواجب نشرها والآجال الخاصة بكل وثيقة، وهو ما يترك مجالًا لاختلاف الممارسات وعدم انتظامها. 

ففيما يتعلق بملحقات قانون المالية، كانت هذه الوثائق تُنشر بصفة منتظمة إلى حدود سنة 2021، غير أنّها أصبحت تُنشر بعد مناقشة مشروع قانون المالية والمصادقة عليه من قبل مجلس نواب الشعب خلال السنوات 2023 و2024 و2025، وهو ما يحدّ من إمكانية الاستفادة منها أثناء مرحلة النقاش البرلماني والمساهمة بالمقترحات والتعديلات بالنسبة للأطراف المتدخلة من خارج الحكومة من نواب وخبراء ومجتمع المدني. حيث أصبحت هذه الوثائق خلال سنة 2026 متاحة أساسًا للاستعمال الداخلي بين مختلف الهياكل المعنية، دون نشرها للعموم بالصيغة المعهودة16. 

وبخصوص وثائق تنفيذ الميزانية، فإن نشر النتائج الوقتية لتنفيذ ميزانية الدولة الشهرية17، يشهد أحيانًا تأخيرًا يمتدّ إلى عدة أشهر كما لم تعد التقارير نصف السنوية تنشر بانتظام منذ سنة 2025، بما يؤثر في راهنية المعطيات المتاحة للمتابعين والباحثين. 

وفيما يخصّ ميزانية المواطن، ورغم استمرار إصدارها خلال السنوات الأخيرة، فإن نشرها يتم غالبًا بعد المصادقة على قانون المالية، حيث صدرت نسخة سنة 2023 في شهر جويلية18، ونسخة سنة 2024 في شهر جانفي19، في حين لم تُنشر نسخة سنة 2025 إلا خلال شهر جوان20، وهو ما يقلّص من دورها كأداة لتبسيط المعطيات الميزانيّة وتمكين المواطنين من المشاركة في مراحل إعداد قانون المالية. 

كما تصدر تقارير محكمة المحاسبات حول غلق ميزانية الدولة بعد فترات زمنية طويلة من السنة المالية المعنية، وهذا يعود أساسًا الى التأخر في مصادقة البرلمان على قوانين غلق الميزانية، بما يحدّ من نجاعتها كآلية للمساءلة الآنية. وتعود آخر التقارير المنشورة إلى السنة المالية 212024.  

 كما سُجّل تراجع في مستوى المعطيات المرفقة بوثائق الميزانية، من خلال حذف التخلي عن بعض المؤشرات المهمة، على غرار مؤشر التنمية الجهوية الذي كان يُدرج ضمن التقرير الجهوي حول الاستثمار الملحق بقانون المالية خلال سنتي 2023 و 2024، قبل أن يتم الاستغناء عنه في ملاحق مشروعي قانون المالية لسنتي 2025 و2026، ويؤدي هذا الوضع إلى إضعاف الشفافية المالية وتقليص فرص النقاش العمومي المستند إلى البيانات، بما يؤثر سلبًا على جودة السياسات العمومية وعلى ثقة المواطنين في إدارة المال العام. 

إن تعزيز شفافية الميزانية لا يقتصر على تحسين ترتيب تونس في المؤشرات الدولية، بل يمثل شرطًا أساسيًا لترسيخ الحوكمة وضمان نقاش ديمقراطي فعّال حول الخيارات الاقتصادية للدولة. ويتطلب ذلك، أولًا، تدعيم الإطار القانوني من خلال التنصيص الصريح على إلزامية نشر جميع وثائق الميزانية والتقارير المتعلقة بتنفيذها في آجال محددة وبصيغ مبسطة ومفتوحة والتطبيق الفعلي لهذه النصوص. وينبغي، ثانيا نشر ملحقات قانون المالية بالتزامن مع المشروع الأصلي وتحسين شمولية التقارير السنوية من خلال تعزيز الإفصاح عن تفاصيل النفقات على مستوى البرامج، ومكونات الدين العمومي، وتوزيع النفقات22. هذا من شانه ان يسمح للبرلمان والخبراء والمجتمع المدني بالاضطلاع بدور أكثر فاعلية في مراقبة المالية العمومية وتوجيه السياسات الاقتصادية. 

 

1. اكسبراس فم، "مسح الميزانية المفتوحة 2025: تونس تسجّل تراجعًا ملحوظًا في الشفافية"، (اكسبراس فم27 : أفريل 2026 مسح الميزانية المفتوحة 2025: تونس تسجّل تراجعًا ملحوظًا في الشفافية | Radio Express FM (تاريخ الوصول 09 جوان 2026) 

2. منظمة الشراكة الدولية للموازنة – نتائج تونس في مسح الموازنة المفتوحة 2025، تم الاطلاع عليه بتاريخ 9 جوان 2026. 

3. مقترح قانون أساسي عدد 043 / 2025 يتعلّق بالقانون الأساسي للميزانية. 

4.قانون أساسي عدد 15 لسنة 2019 مؤرخ في 13 فيفري 2019 يتعلق بالقانون الأساسي للميزانية، قانون أساسي عدد 15 لسنة 2019 مؤرخ في 13 فيفري 2019 يتعلق بالقانون الأساسي للميزانية - Tunisie - Legal Databases 

5. وزارة المالية التونسية، «ملاحق قانون المالية»، بوابة وزارة المالية، متاح على الرابط: http://www.gbo.tn/ar/taxonomy/term/35، تاريخ الاطلاع: 28 أوت 2026. 

6. وزارة المالية التونسية، «ملاحق قانون المالية»، بوابة وزارة المالية، متاح على الرابط: https://www.finances.gov.tn/fr/telechargement?field_secteur_et_domaines_target_id=75&title=، تاريخ الاطلاع: 28 أوت 2026. 

7. وزارة الماليّة، ميزانيّة المواطن 2023، Budget Citoyen 2023.pdf، تاريخ الاطلاع: 28 أوت 2026. 

8. BUSINESS NEWS, Le ministère des Finances publie le Budget du citoyen 2024, 23 janvier 2024, Le ministère des Finances publie le Budget du citoyen 2024, consulté le 28 août 2026. 

9. Tunisie Numérique, « Budget citoyen 2025 : document », 2025, disponible à l’adresse : https://www.tunisienumerique.com/budget-citoyen-2025-document/, consulté le 28 août 2026. 

10. Cour des comptes de Tunisie, « Rapports et résultats – Finances publiques », disponible à l’adresse : https://www.courdescomptes.nat.tn/rapports-resultats/?r_cat=2&r_subcat=18&r_year=&r_keywords=, consulté le 28 août 2026. 

11. المرصد التونسي للاقتصاد، ندوة حواريّة بعنوان " مشروع قانون المالية 2025: تحديات ورهانات تحقيق شفافية ومصداقية الميزانية على ضوء الإطار الدستوري والقانوني الجديد" 24 سبتمبر 2024، https://youtu.be/cmhS5VvYyl8